مركز الثقافة والمعارف القرآنية
183
علوم القرآن عند المفسرين
فخرج إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه ، وكل هذا فيما إذا لم تختلف فيه المعاني . فإن قيل : فما قولكم في القراءات التي تختلف بها المعاني ؟ ، قلنا : إنها صحيحة منزلة من عند اللّه ولكنها خارجة من هذه السبعة الأحرف ، وليس يجوز أن يكون فيما أنزل اللّه من الألفاظ التي تختلف معانيها ما يجرى اختلافها مجرى التضاد والتناقض ، لكن مجرى التغاير الذي لا تضاد فيه . ثم إنها تتجه على وجوه : فمنها أن يختلف بها الحكم الشرعي على المبادلة قوله : وَأَرْجُلَكُمْ « 1 » بالجر والنصب جميعا ، وإحدى القراءتين تقتضى فرض المسح والأخرى فرض الغسل ، وقد بينهما رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجعل المسح للابس الخف في وقته والغسل الحاسر الرجل ، وهذا الضرب هو الذي لا تجوز قراءته إلا إذا تواتر نقله وثبت من الشارع بيانه ، وليس يعذر من زل في مثله عما هو المنزل حتى يراجع الصواب ويفزع إلى الاستغفار ، وقد يكون ما يختلف الحكم فيه على غير المبادلة لكن على الجمع بين الأمرين بمنزلة : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ « 2 » من الطّهر و : حَتَّى يَطْهُرْنَ مشددة الطاء من التطهر ، فإن القراءتين هاهنا تقتضيان حكمين مختلفين يلزم الجمع بينهما ، وذلك أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها وحتى تطهر بالاغتسال ، ولا تجوز القراءة في أمثال هذه إلا بالنقل الظاهر ، ومن زل في مثله إلى ما يقتضى أمرا وقد علم ثبوته ولم يقرأ به لم يلزمه فيه حرج كقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى « 3 » لو صحفه أحد فقرأه الربا بالراء والباء من الربا في المال فإنه منهى عنه كالزنا ، فإن كان عدوله عن ظاهر التلاوة على سبيل التعمد فهو ملوم على ذلك ، وأما التضادّ والتنافي فغير موجود في كتاب اللّه ، والنسخ ليس من هذا القبيل ، لأن اتحاد الزمان شرط التنافي ، وعند ورود الناسخ ينتهى المنسوخ ويتبين أن في علم اللّه حكم المنسوخ كان مؤجلا إلى ورود الناسخ ، واللّه أعلم » « 4 » .
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 6 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 222 . ( 3 ) سورة الإسراء : الآية 32 . ( 4 ) غرائب القرآن ج 1 ص 24 - 26 .